وكالة مهر للأنباء: ما صدر عن سياسة واشنطن تجاه إيران في الأسابيع الأخيرة يعيد إحياء سؤال قديم: لماذا تخطئ القوى الكبرى مرارًا في قراءة سلوك إيران رغم امتلاكها أدوات عسكرية واقتصادية هائلة؟ الجواب لا يكمن في ضعف تحليلي تقني، بل في سوء فهم أعمق، جذوره تجاهل منطق الصبر الاستراتيجي الإيراني في مواجهة منطق أميركي متسرّع ومرتبط بالانتخابات.
أميركا، وخصوصًا في عهد ترامب، نظرت دائمًا إلى الحرب كمعادلة قصيرة الأمد: ضغط أقصى، ثم نتيجة سريعة. هذه الرؤية نابعة من نظام سياسي تدق فيه ساعة الانتخابات كل عامين، ولا يستطيع أي رئيس الإفلات من منطق الرأي العام والأسواق القصير الأمد. أما إيران فتدخل الميدان بمنطق مختلف، تعلّمته من أربعة عقود من العقوبات والضغط والتهديد بل والحرب: أن الزمن، بحد ذاته، سلاح. هذا ما يمكن تسميته "الحكمة الإيرانية": ليس التسرع في الرد، بل إدارة الكلفة على المدى الطويل.
أما "الجهل الأميركي" هنا فلا يعني نقص المعلومات أو القوة العسكرية، بل تكرار خطأ تاريخي: الاعتقاد بأن الضغط الاقتصادي والعسكري يؤدي تلقائيًا إلى انهيار سياسي أو تمرد داخلي. تجربة العراق وليبيا وأفغانستان، بل إيران نفسها في العقود الماضية، أبطلت هذه الفرضية مرارًا. ومع ذلك، يعود صانع القرار الأميركي في كل مرة إلى النمط ذاته، وكأنه لم يقرأ التاريخ أو لا يريد قراءته.
مضيق هرمز مثال بليغ على هذه الحكمة. فبدلًا من المواجهة المباشرة الباهظة الكلفة، حوّلت طهران نقطة التقاء المصالح العالمية إلى أداة ضغط تنقل كلفة السياسة الأميركية التهاجمية من داخل الحدود الإيرانية إلى سوق الطاقة العالمي والاقتصاد الأميركي الداخلي. وهنا بالضبط يظهر الجهل الأميركي: تصوّر إمكانية خوض حرب في منطقة كالخليج الفارسي دون دفع ثمن عالمي.
في المقابل، وخلافًا للصورة الشائعة في الإعلام الغربي، تتعامل إيران مع الضغط الداخلي بحساب دقيق. يدرك صانع القرار الإيراني أن الانهيار الاقتصادي الداخلي، إن لم يُدار جيدًا، قد يقرّب من هدف واشنطن؛ لكنه يدرك أيضًا أن الخسائر بين المدنيين والإهانة الوطنية تؤديان عادة، خلافًا لتوقعات الأميركيين، إلى تماسك داخلي لا إلى تمرد. هذه الدقة في قراءة نفسية المجتمع الإيراني هي جزء آخر من الحكمة الغائبة في الجانب الآخر من المعادلة.
في النهاية، لا تسعى هذه المقالة إلى تمجيد طهران من جانب واحد ولا إلى تسفيه واشنطن على نحو مبسّط، بل إلى الإشارة إلى حقيقة استراتيجية: في الحروب الطويلة، لا ينتصر من يوجّه الضربة الأولى، بل من يُحسن قراءة الزمن. وفي هذه المعادلة تحديدًا، يبدو أن الصبر الإيراني قد تقدّم، حتى الآن على الأقل، على التسرّع الأميركي.

تعليقك